(معرض بين عمّان وبرلين) بقلم :يوسف عبدالعزيز
«الحوار مع مدينة الحجر»... مثل هذه العبارة قد تلخّص شواغل الفنان التشكيلي عصام طنطاوي الأخيرة، وشغفه بمدينة عمّان. فالتّشكيل الحجري المتنوّع المدهش الذي يُفصح عنه البيت العمّانيّ أغرى الفنّان بالبحث له عن هيئة ما في اللوحة. في أعماله الأخيرة التي عرضها بين عمّان وبرلين يقترب عصام من نبض المكان، ويُقدّم ما يشبه الحفريّات البصريّة. لكنّ تلك الحفريّات لا تلقي بالاً إلى المشهديّة الصّامتة، بقدر ما تلتفت إلى هموم الإنسان. يحاول طنطاوي أن يسبر أغوار العلاقة القائمة بينه وبين مدينة عمّان، وأن يتتبّع صدى ذلك الحبّ الذي يتموّج في أعماقه ويسيل في جروح الحجارة والتراب. لوحته إذاً قائمة في مساحة هذا الاشتباك الحميم، ومُحمّلة بالدّفء الذي تبثُّه مفردات المكان. يتّضح ذلك من خلال البيوت الصّغيرة المتجانبة، والأجساد المتعانقة في النّسيج الحجري الذي يؤلّف المشهد، ثم من خلال تلك الوجوه المعذبة الحالمة التي تطلّ علينا حيناً تلو آخر كأنها تسأل عن مصيرها. ولا نجازف إذا قلنا إن الاحتفاء بالمكان كان أحد أهم المواضيع التي اشتغل عليها طنطاوي. فعلى امتداد تجربته الماضية انهمك الفنان في رسم المشهد العمّاني بما فيه من جماليات. وها هو الآن من جديد يجد ضالته في التشكيلات الحجرية التي تبثّها البيوت والشرفات والقباب. عن هذا الاحتفاء التشكيلي بمدينة عمّان يقول طنطاوي: «في هذه اللوحات التي رسمتها على مدار السنوات الثلاث الماضية وجدتني مسكوناً بتراكمات عمّان العفوية، وتشظيات صخورها العشوائية التي أحبّها، وما زلت أشعر بأننا لم نعط هذه المدينة العجيبة حقها بعد. فهذا المشهد العمودي المتراكم بعضه على بعض فيه ثراء بصري يستحق العناية». ينحاز الفنان إلى عمّان الفقيرة. أمّا عمّان المبهرجة فهو لا يلتفت إليها ولا تعنيه في شيء. ولذلك راح يرسم البيوت الصغيرة المذعورة والخربشات التي تغطي الجدران. في اللوحات ثمّة حنين يهبّ من أرض الذكريات وهي هنا أرض الطفولة، وهذا ما جعله يرسم أحياناً بأسلوب أقرب إلى أسلوب الطفل. ثمة يد خفيفة تتنقّل بعفوية وتخيط الجدران، وتعطي البيوت القدرة على التماسك في فضاء اللوحة وربّما الرقص والطيران. عصام طنطاوي يستنطق هنا روح الحجر العمّاني المدهش الآسر، الحجر الشّفيف الذي يبدو مثل حلوى الضوء. ولكنه قبل هذا وذاك الحجر صاحب الهم الإنساني، الفائض بالأنفاس والضاج بالحركة. في ما مضى رسم عصام حجر البتراء بكلّ ما فيه من بذخ وألوان، لكنّه ظلَّ حجراً مفرداً يعاني الوحشة والإهمال. في اللوحات الجديدة يستفيد عصام من تجربة البتراء ومن إمكاناتها التشكيلية، لكنّه يضيف إلى هذه التجربة أبعاداً أخرى عميقة تتصل بالمكان الجديد، مما يجعل الحجر هنا ينفعل ويتمرّد. في قسم من اللوحات نجد المكان يقوم بدور الذاكرة، ويضخّ عدداً كبيراً من الصّور التي تبدو مُقتطعة من فضاء الطّفولة. ثمّة نوافذ وأبواب مشرعة باتّجاه فضاء أزرق صافٍ، ممّا يسمح باستعادة الماضي، ماضي الأحلام المفقودة بكل ما فيها من لذاذة وأشواق. في قسم آخر من اللوحات يتكشّف المكان عن ألم وغربة خاصّين، ما يجعل المشهد مُتشظّياً والكتل نافرة ومندفعة، كأنّها تُحاكي صدى ذلك العذاب الذي يطحن الروح ويرجّها من الأعماق. أكثر ما يميز طنطاوي في هذه الأعمال هو حدبه المتواصل على سطوحها، بحيث يؤدي ذلك الحدب إلى ظهور سطح غني بالدلالات وقابل للتأويل... وهكذا فإن اللوحة التي ينجزها عصام تتخلّق في هيئات جديدة أمام المشاهد، هيئات قد لا يكون الفنّان خطط لها مسبقاً، يقول عصام: «بدأت أشعر بأن اللوحات ترسم نفسها بنفسها، وبأنّ يدي كانت مجرد وسيط». الملمح الثاني الذي يميز أعمال الفنان هو ميله في الغالب إلى رسم لوحات بانورامية ضخمة تعجّ بالتفاصيل الصغيرة. ثمة مشهد كلي إذاً يتشظّى إلى عدد كبير من المشاهد. مثل هذا العناق يُحيلنا إلى حالة الشغف التي يقع تحت سطوتها الفنان وهو يرسم. ولذلك فلحظة الخلق عنده هي لحظة «لذّيّة» بامتياز، تندغم فيها الذات المبدعة بروح الكائنات أو الأمكنة المرسومة. هذه الحال لا بد من أن تستدعي انثيالات الداخل، والفيض الغزير من الخيالات التي تتوالد وتملأ أرض اللوحة. في هذه التجربة قدّم عصام طنطاوي مجموعة من الأعمال الجريئة التي تستمدّ خطابها البصري من تجريد عالي المستوى. فالمدينة في الغالب لم تعد مجرّد بيوت وحجارة، بقدر ما أصبحت كتلاً وأشكالاً تومئ إلى المعاني والأحاسيس المتخفّية في إهابها. وفي المقابل يمكن القول إنّ الفنان اشتغل على الجسد الإنساني، وقام بتجريده هو الآخر ليصبح أحد العناصر المهمّة التي تشكّل المدينة.
(الأردن)

لوحة للرسام الاردني عصام طنطاوي
ولو اقتطعنا مربعاً من أي مساحة من اللوحة فإننا سنكون إزاء لوحة أخرى مكتملة. عن هذه الحالة التي تدفعه إلى أجواء العمل البانورامي، يقول عصام: «أحسست بأن اللوحة الكبيرة تريحني، وتستوعب طاقتي أكثر من اللوحة الصغيرة... أحلم بلوحة عملاقة أرسمها بكل جسدي، لوحة تبتلعني تماماً».
20/08/07
أضف تعليقا
من سوريا

يسعد مساك د. بوب
قرأت هذا المقال في جهة الشعر .
وحقيقة إن تجربة الفنان عصام تجربة غنية بألوانها ورموزها وأفكارها ، والمواضيع التي تطرحها لوحاته تحمل هماً انسانياً ينحاز الى الفقراء وهي تستحق كل متابعة واهتمام من المتذوقين للفن التشكيلي ومن النقاد .
وأنت صديقي لماذا كل هذا الكسل ؟؟
أين مقالاتك ؟؟
اشتقت للشغب الجميل الذي كنت تمارسه من خلال الجيرانيات والتقارير التي كنت ترسلها من المريخ .
أطالبك وبشدة بمقال سريع وساخر .
ولن أقبل منك أي عذر .
دمت بألف خير .
محمد سعيد
من البحرين

اولا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومبارك عليكم شهر رمضان واعاده عليكم باليمن والخيرات
صديقي العجوز دكتور بوب اتمنى ان تكون بخير وصحه وعافيه
اشتقت لكم واشتقت لعالم التدوين والشخبطات الشخبوطيه انتظروا جديدي
اخوك عزيز
من الأردن

شكرا
لسؤالك عني
وعصام فنان مميز نعتز به
وسلامته ألف سلامه
شكرا بوب
شكرا أبو حسن الحبيب
دمت بخير
من فلسطين

أخي الغالي دكتور بوب ..
أشكر لك هذه اللفتة الطيبة الرائعة ..
الفنان عصام طنطاوي يستحق كل الاهتمام والتقدير ..
استطاع من خلال أعماله الفنية أن يجسد قومية عربية ينتمي إليها ..
وتبقى عمان تحتفظ بطابعها المميز والخاص في فكر الفنان عصام.. هي الواقع الحاضر بكل إيجابياته وسلبياته ..
أما فلسطين العشق والحب والحلم الكبير فهي تحتل في قلبه وخاطره ولوحاته كل الشوق والحنين والألم والأمل تتجسد عليها لتخبر عن ذاتها وعن أبنائها ..
الفنان عصام يستحق كل تقدير بعطائه واحساسه بالجميع من حوله وتفاعله معهم من خلال أمنياته بعالم عربي أنقى وأجمل ..
تميزه نابع من صدقه ومن نقل مشاعره وأحاسيسه الصادقة على لوحاته ليحكي من خلالها قصة شعب وتاريخ أمة ..
هو يستحق العالمية ويستحق كل الكلمات الرائعة وكل الثناء والإطراء ..
تحياتي الخاصة أهديها للفنان عصام طنطاوي متمنية له كامل الشفاء والصحة والعافية والعودة لنا من جديد ..
دمت د.بوب ودام وفاءك واخلاصك وحرصك على أصدقاءك بكل المودة والحب والإيثار ..
تحياتي الخالصة لك مع كل مودتي واحترامي وتقديري ..
من المملكة العربية السعودية

عصاااااااااااام، لم تتركني وتذهب.
خذني معك،
الأخ العزيز موجة
الصديق الفنان عصام غادر جيران إلى موقعٍ آخر في مدونته في مكتوب و هو يرحب بزيارتك له و ينتظرك هناك :
http://tantawi1.maktoobblog.com
لك احترامي
من المملكة العربية السعودية

للتو قرأت ردك يابوب.. شكرا كثيراً..
لم اشاهد اكثر من خرابيش
يستحي الاطفال
ان ينسبوها لانفسهم
ان هذه الخرابيش من الفن الحقيقي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

















من مصر
عزيزى/ دكتور بوب
مقال رائع انحنى امامك وامامه بكل احترام واشكرك من قلبى لانك قربتنا جدا من الاستاذ الفنان المليئ بالحس الفنى الراقى الاستاذ عصام طنطاوى ... وما أثار سعادتى اكثر واكثر هو نقلك لكلامه فى مختلف المواقف واكثر جمله هزتنى وجعلتنى أشعر اننى جدا قريبه منه هى "يقول عصام: «أحسست بأن اللوحة الكبيرة تريحني، وتستوعب طاقتي أكثر من اللوحة الصغيرة... أحلم بلوحة عملاقة أرسمها بكل جسدي، لوحة تبتلعني تماماً»."
والله فنان انسان شديد العذوبة000 يابختك يادكتور بمعرفتك به ونشكر جهودك القيمة التى تعرفنا به عن قرب.
دمتما بالف خير